تيار المستقبل “الرمادي”، متى يستعيد صفاء أزرقه ؟

كتبت ميرنا دلول في مناشير
منذ 24 كانون الثاني 2022 عندما أطلق الرئيس سعد الحريري موقفه التاريخي بتعليق العمل السياسي التقليدي لشخصه وتياره وعدم خوضه الانتخابات النيابية 2022، دخل تيّار “المستقبل” في حالة من “الرمادية” المقلقة التي لا تفسير لها حتى اللحظة، صحيح أن القرار في بداياته كان طبيعيًا ومتوقّعًا لجملة من الأسباب، وتقبّله الشارع المستقبلي بكل يقين .
توالت الأحداث، ونأى الحريري عن التعليق على كل ما له علاقة بالشأن الداخلي، مجاهرًا بالقول “كل شي بوقته حلو”، وبدأ المستقبل يلعب دور المتفرّج والمراقب والمتابع، حتى شباط 2025 حين أطل الحريري في الذكرى العشرين لاغتيال والده، وأعلن عودة المستقبل للعمل السياسي وأنه سيكون صوت القاعدة الشعبية في الاستحقاقات المقبلة .
لكن ما إن دارت عجلة الانتخابات البلدية، حتى خرج الحريري وتياره بالإعلان عن عدم خوض هذا الاستحقاق بذريعة أن الاستحقاق إنمائي وتحكمه النزعات العائلية، ولا يريدون الوقوف في صفّ أحد في مواجهة أحد، لكن المفارقة كانت في تلك المشاهد التي تناقلها الاعلام عن الأمين العام للتيار أحمد الحريري وهو يبدي فرحه الكبير بالخرق الذي أحدثه العميد محمود الجمل للائحة الأحزاب في بيروت، وكأنه “مرشح المستقبل” .
اليوم بدأ الحديث يتسع أفقه نحو الانتخابات النيابية وعاد السؤال من جديد : هل سيشارك تيار المستقبل العام المقبل ؟، وهل سيكون هذا الاستحقاق هو “الوقت الحلو” الذي تنتظره قواعده على أحر من الجمر؟، أم أن “التعليق” لايزال ساريًا، وأن ما نشهده من متغيرات على مستوى البيت الداخلي ما هي إلا الخطوات الأولى باتجاه عدم المشاركة ؟.
لسان حال المستقبليين اليوم يقول “بلغ السيل الزبى”، نريد وضوحًا في البيانات، كفاكم تسويفًا ومماطلة وممارسة عمليات التخدير المتوالية علينا، وصار لزامًا على المشرفين من رأس الهرم حتى آخر تنظيمي أن يخرج علينا بالحقيقة، إذ لم تعد “بيانات النفي” تؤتي اُكلُها، نريد أن نعرف ماذا سيكون مصيرنا، أم هل سنُترك على قارعة الطريق كما المرّات السابقة ؟.
يقف الجمهور المستقبلي حائرًا في المنطقة الوسطى، لا هو استعاد صفاء “الأزرق” ووضوحه، ولا هو بقادر على الخروج من المنطقة الرمادية التي يقبع فيها، وصارت بياناته تجترّ نفسها بشكل يكاد يوحي للقاصي والداني أنه ثمّة “قطبٌ” مخفية يحاولون حجبها عن الناس، لأن “بق البحصة” فيها لن يبقي ولن يذر وسيتعرض “المستقبل” لردّ فعل عنيف من شارعه العريض الذي لايزال يقف معه “ع الحلوة قبل المرة” .. لكن إلى متى ؟ ..
توحي التقاطعات السياسية العميقة أن السياسة السعودية التي فشلت فشلًا ذريعًا في انتخابات الـ ٢٠٢٢، تريد خوض الانتخابات المقبلة لكن من باب “إرغام” المستقبل على الدفع بقواعده نحوها، بينما قضية الترشيحات ستتوزّع وفق اتجاهين، التسمية ستكون بعد دراسة الملفات حصريًا بيد السفارة السعودية، بعد الأخذ بعين الاعتبار رأي من تعتبره من “الحرس المستقبلي القديم” بينما الترشيحات ستكون شكلية وهذه المرة من “بيت الوسط”، وعلى لسان الرئيس سعد الحريري شخصيا كي تأخذ هذه الترشيحات “صبغة زرقاء”، أما ترشيح الحريري نفسه سيظل مبهمًا وتدور حوله علامات استفهام كثيرة .
منذ ثلاث سنوات والقاعدة الزرقاء تنتظر لحظة العودة من الباب العريض، لكن ماتراه بأم العين يناقض هذه التمنيات، التصريحات حتى اللحظة تدل أن “المستقبل” سيشارك، لكن السؤال الجوهري المطروح: كيف ستكون هذه المشاركة بالمباشر أو غير المباشر، بالأصالة أو بالوكالة؟ بمشاركة الحريري شخصيا أو عبر تبنيه للترشيحات فقط؟، وكما هو ظاهر السعودية تريد “الخزان المستقبلي” الذي وجّه لها صفعة قوية بمقاطعته في انتخابات الـ ٢٠٢٢، كي تحصل على كتلة وازنة تكون تحت عباءتها مباشرة .
من هنا صار لزامًا على قيادة “المستقبل” أن تخرج للعلن مبتعدة عن الديماغوجية الفاضحة وتقول الحقيقة لقاعدتها العريضة، لا أن تتركهم حيارى في منطقة رمادية تتقاذفهم التساؤلات من دون إجابات، بينما البقية بدأت تعد العدة وتنسج أولى خيوط تحالفاتها خصوصًا الاشتراكي والقوات اللبنانية، لكن حتى اللحظة لا يوجد إطار زمني محدد لـ “مغادرة تيار المستقبل” هذه المنطقة، لأن هذا يعتمد على قرارات وتطورات سياسية داخلية وإقليمية. التيار لديه تاريخ حافل بالتحولات السياسية والتحالفات، ولا يزال يواجه تحديات في الحفاظ على تماسك صفوفه ووضوحه السياسي في المشهد اللبناني